أود أن أبدأ بطرح سؤال عن موقع العالم الآن، وما هي الرؤية التي يمكننا – ويجب علينا – امتلاكها لفهم هذا العالم من زوايا مختلفة، سواء من الناحية الأخلاقية أو الاقتصادية أو السياسية أو الدبلوماسية.

في هذا السياق، أود الإشارة إلى مقال حديث نشره توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ السبت 29 يونيو 2024، حيث كتب:

“إنها ليست مجرد لحظة تاريخية عابرة نعيشها. نحن في بداية أكبر الاضطرابات التكنولوجية والمناخية في تاريخ البشرية. نحن عند فجر ثورة الذكاء الاصطناعي التي ستغير كل شيء للجميع: كيف نعمل، كيف نتعلم، كيف نعلّم، كيف نتاجر، كيف نبتكر، كيف نتعاون، كيف نخوض الحروب، كيف نرتكب الجرائم، وكيف نكافحها.”

إذا كان هناك وقت يحتاج فيه العالم إلى قيادة مستندة إلى فهمٍ عميق للفرص والتحديات التي أمامنا، فهو الآن. وبينما قد لا ندرك تمامًا أن هذه الثورة تمسّنا جميعًا، يجب أن أؤكد أن المعرفة والفهم والتعلّم المتعمق حول الذكاء الاصطناعي والتقنيات المزعزعة للنظام التقليدي في النظام الدولي أصبحت ضرورة ملحّة.

الفضاء الرقمي كميدان جديد للعمل

في العصر الرقمي الحالي، أصبح الفضاء السيبراني واحدًا من الميادين الرئيسية للعمل بالنسبة للحكومات، والمؤسسات العامة، والشركات، والمجتمع المدني، والأفراد.

شركات التكنولوجيا العملاقة – خصوصًا الأمريكية والصينية – تقود هذا العصر الرقمي وتتحكم به. إن القوة الاقتصادية الناشئة من استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج السلع والخدمات لها انعكاسات جيوسياسية كبيرة، أبرزها أن هذه الشركات الكبرى باتت لاعبين عالميين في النظام الدولي.

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي على قطاعات مثل النقل، والبنوك والتمويل، والتعليم، والصحة، وغيرها، مما يغيّر الأنظمة الاقتصادية والمالية والتجارية التقليدية، بل ويمتد تأثيره ليطال الأنظمة السياسية للدول، عبر حملات المعلومات والمعلومات المضللة، وتغيير مسارات الانتخابات، أو حتى المساهمة في إسقاط الحكومات من خلال أدوات تعمل بالذكاء الاصطناعي.

النظام الدولي المعاصر

لفهم أفضل، يجب النظر بتمعن إلى النظام الدولي الحالي، والذي يتميز بدرجة كبيرة – وإن لم تكن حصرية – من اللايقين حيال النظام القائم واتجاهاته المستقبلية.

إلى جانب ظهور لاعبين جدد على الساحة العالمية، مثل شركات التكنولوجيا العملاقة، ازدادت المنافسة بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وجمهورية الصين الشعبية، وبدرجة أقل الهند، بينما تلعب روسيا دورًا مهمًا ليس بقوتها الاقتصادية، بل بترسانتها النووية وقدرتها على الضغط، بما في ذلك تحالفها الأخير مع كوريا الشمالية.

إن تزايد قوة بعض الدول، وتزايد الاعتماد المتبادل بين الدول، يؤدي إلى تغييرات سريعة في ميزان القوى، مما يجعل فهم ديناميكيات واتجاهات العلاقات الدولية أكثر تعقيدًا.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كقوة مؤثرة

يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تشكيل النظام الدولي وإعادة صياغته. كما أصبحت التقنيات الحديثة – مثل إنترنت الأشياء، الروبوتات، الذكاء الاصطناعي، والتقنية الكمية – أدواتٍ لتسريع المنافسة على التفوق التكنولوجي.

كما أوجدت التكنولوجيا تحديات جديدة في الساحة الدبلوماسية، من أبرزها الأمن السيبراني، إذ يمكن أن تتسبب الهجمات الإلكترونية بأضرار كبيرة على العلاقات الدولية، مما يستدعي من الحكومات والمنظمات الدولية تطوير استراتيجيات قوية لحماية البيانات وضمان سلامة الأنظمة.

التحول الرقمي العادل والمتوازن

أصبحت قيادة تحول رقمي عادل ومتوازن أمرًا ضروريًا. وقد أبرزت قمة الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا اللاتينية والكاريبي (EU-CELAC) عام 2023 أهمية التعاون من أجل تعزيز نموذج للتحول الرقمي المسؤول، المرتكز على القيم الشاملة، والذي يحمي الخصوصية، ويعزز الاتصال الرقمي والأمن السيبراني، ويسعى لسد الفجوات الرقمية، ويدعم الاستخدام الموثوق للذكاء الاصطناعي، ويبني الثقة في الاقتصاد الرقمي.

كما اعترفت القمة بمساهمة أجندة بوابة الاستثمار العالمية EU-LAC في سد فجوات الاستثمار وفقًا لأولويات الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية، بهدف تعبئة رأس المال الخاص والعام لتحقيق التنمية المستدامة، بما في ذلك التحول الرقمي.

التهديدات المتنوعة والمتزايدة

يتميز النظام الدولي الحالي بزيادة تعقيد التهديدات الأمنية، وظهور مفاهيم جديدة مثل “الحرب الهجينة” التي تمزج بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية، إلى جانب تدخلات أجنبية في الأنظمة الديمقراطية عبر التلاعب بالمعلومات.

الاتجاهات الاقتصادية العالمية

شهد الاقتصاد العالمي تزايدًا في النزعات الحمائية والانكفاء الوطني، بسبب عوامل مثل اتساع فجوة الدخل، فقدان الوظائف، وزيادة الهجرة. كما أن ثورة البيانات الضخمة والروبوتات والذكاء الاصطناعي – المندرجة ضمن الثورة الصناعية الرابعة – تفرض ضغطًا لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي بشكل شامل.

القضايا العالمية المشتركة

قضايا مثل التغير المناخي، والصراعات المسلحة، والهجرة تتطلب تعاونًا دوليًا أكبر. وقد مثلت اتفاقيات مثل اتفاق باريس للمناخ نموذجًا للتعاون في مواجهة المشكلات الملحّة. كما استبدلت أهداف التنمية المستدامة 2030 (SDGs) بأهداف الألفية 2000 (MDGs) مع التركيز على بناء عالم مستدام يرتكز على الاستدامة البيئية، الإدماج الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية.

ومع تفاقم قضايا الفقر والنزوح واللاجئين والكوارث الطبيعية الناتجة عن التغير المناخي، يتعين على الدول إعادة تقييم أولوياتها الدبلوماسية وسياساتها الخارجية، مع توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة لتحقيق الأهداف الوطنية.

خاتمة: دور أمريكا اللاتينية والكاريبي

على الرغم من الوزن السياسي والاقتصادي المحدود لهذه المنطقة عالميًا، فإن أمريكا اللاتينية والكاريبي استفادت من الموقع الاستراتيجي في النظام متعدد الأقطاب. ومع ذلك، لا تزال التحديات المتعلقة بعدم المساواة والفقر والتنمية المستدامة قائمة، ما يجعل من الضروري تبني سياسات تعليمية وحكومية تدعم الاستخدام الفعّال للذكاء الاصطناعي.

يجب على الدبلوماسيين وكبار المسؤولين اكتساب وتحديث معارفهم حول التقنيات المزعزعة باستمرار، لأن فهم العالم المعاصر واستخدام أدوات التكنولوجيا بفاعلية يتيح لهم صياغة سياسات تتماشى مع الواقع الدولي الحالي والمستقبلي، على المستويات الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف.

للحصول على مزيد من الفائدة تواصل مع فريقنا الدعم بالعربية من خلال الدردشة المباشرة عبر واتساب بالضغط هنا