البحث المقدم من المشاركة الأستاذة إباء سليطين ضمن برنامج التعليم الحديث: من المعلم الناقل إلى المعلم الميسر


مقدمة: بنية المفاهيم في المنظومة التربوية

تتشابك مفاهيم التعلم والتعليم والتدريس في المنظومة التربوية ، وهو تشابك قد يؤدي إلى خلط إجرائي لدى الممارسين التربويين. إلا أن البحث المعمق يكشف أنها تختلف من حيث جوانب أساسية تشمل: الفاعل، والزمان، والنتيجة المتحققة. يهدف هذا البحث إلى تفكيك هذه المفاهيم لتمكين المعلم من التحول إلى دور “الميسر” الذي يدير عملية اكتساب المعرفة بدقة واحترافية.

 

أولاً: التعلم (Learning) – جوهر التغيير والغاية النهائية

يُعد التعلم هو الغاية والنتيجة النهائية التي تقاس من خلالها نجاعة أي عملية تربوية.

  • التعريف الإجرائي: هو عملية ذاتية داخلية لا يمكن رؤيتها مباشرة، بل يُستدل عليها من خلال تغيير شبه دائم في سلوك الفرد أو مخزونه المعرفي.

  • المثيرات والخبرة: ينتج هذا التغيير حصراً نتيجة الخبرة والممارسة التي يمر بها الفرد.

  • مركزية الفاعل: المتعلم هنا هو المحور والمسؤول الأول عن نجاح هذه العملية؛ فبدون استعداده الذاتي لن يحدث التعلم.

  • المرونة الزمنية والمكانية: يتميز التعلم بكونه سيرورة مستمرة طوال حياة الإنسان، وهو غير مقيد بجدران الفصل الدراسي أو ساعات محددة.

  • القصدية: قد يحدث التعلم بشكل مقصود ومنظم، أو بشكل غير مقصود من خلال التجارب الحياتية العفوية.

ثانياً: التعليم (Education/Instruction) – التنظيم المنهجي للمعرفة

يمثل التعليم الإطار الشامل الذي يضبط إيقاع العملية التربوية ويمنحها صبغتها الرسمية.

  • التعريف الإجرائي: هو عملية منظمة تهدف إلى نقل المعارف والمهارات من المعلم إلى المتعلم بطريقة منهجية.

  • التفاعلية: يتطلب التعليم بالضرورة وجود طرفين (معلم ومتعلم)؛ فهو عملية اجتماعية تفاعلية في جوهرها.

  • المؤسسية والزمن: غالباً ما يكون التعليم مرتبطاً بمؤسسات رسمية ومقيداً بمراحل زمنية معينة، مثل سنوات الدراسة الابتدائية أو الجامعية.

  • الشمولية: يركز التعليم على بناء المنظومة ككل، بما تشمله من مناهج وبيئة تعليمية وسياسات تربوية.

ثالثاً: التدريس (Teaching) – الممارسة التطبيقية والاحترافية

التدريس هو الوسيلة أو الأداة التطبيقية التي تترجم الأهداف النظرية إلى واقع ملموس داخل الميدان.

  • التعريف الإجرائي: نشاط تفاعلي وتواصلي يتسم بالقصدية والتخطيط المسبق.

  • السياق المهني: يُمارس التدريس من قِبل متخصص (المدرس) داخل مؤسسة تعليمية لتحقيق أهداف سلوكية ومعرفية محددة.

  • إدارة الموقف التعليمي: يبرز دور المدرس كقائد ومدير للعملية؛ فهو من يختار الاستراتيجيات التدريسية، ويصيغ الأسئلة، ويحدد المحتوى (ماذا ندرس؟)، والطريقة (كيف ندرس؟)، والتوقيت (متى ندرس؟).

  • المنهجية الرسمية: التدريس هو سلوك مقصود ومنظم يحدث عادةً في سياق أكاديمي رسمي وخاضع للتقييم المستمر.


الاستنتاجات والتوصيات

من خلال هذا العرض، يتبين أن التحول من “المعلم الناقل” إلى “المعلم الميسر” يتطلب فهماً دقيقاً بأن:

  1. التدريس هو مهارة المعلم في التصميم والتنفيذ.

  2. التعليم هو البيئة والنظام الذي يجمع الأطراف.

  3. التعلم هو الأثر الباقي والتغيير الحقيقي في شخصية المتعلم.

إن الفصل بين هذه المفاهيم يساعد في تحديد المسؤوليات داخل الغرفة الصفية، بحيث يصبح هدف التدريس الأساسي هو “تيسير” حدوث عملية “التعلم الذاتي” المستمر.