عمليات التفاوض الدولي

في العلاقات الدولية ثلاث مراحل رئيسية تسير عليها عملية التفاوض عادة، وهي:

مرحلة ما قبل التفاوض،

ومرحلة الصيغة (Formula)،

ومرحلة التفاصيل.

ويُعدّ التفاوض عنصراً صعباً وحيوياً في العلاقات الدولية، إذ إن لكل مرحلة من هذه المراحل هدفاً مميزاً يسهم في الفاعلية العامة ونجاح عملية التفاوض.

وتعتمد كل مرحلة من المراحل الثلاث على المرحلة التي تسبقها، كما أنها مترابطة ومتداخلة فيما بينها. وتوفّر هذه المراحل منهجية منظمة للتفاوض، تتيح فهماً معمقاً للقضايا المطروحة، والأطراف المشاركة، والحلول الممكنة. ومن خلال الالتزام بهذه المراحل، يستطيع المفاوضون زيادة فرصهم في التوصل إلى تسوية مقبولة من جميع الأطراف، مع التعامل بمهارة أكبر مع تعقيدات المفاوضات الدولية.

 مرحلة ما قبل التفاوض

في الواقع، تبدأ المفاوضات الصعبة عادة بنقاشات خلافية. وتُعرف مرحلة ما قبل التفاوض غالباً باسم «محادثات حول المحادثات»، وهي المرحلة التي تتم فيها الإجابة عن الأسئلة:

لماذا؟

ماذا؟

أين؟

وكيف؟

وخلال هذه المرحلة يتم الاتفاق على جدول الأعمال والمسائل الإجرائية الأخرى، مثل شكل المفاوضات، ومكانها، وتوقيتها، وتكوين الوفود المشاركة.

ومن المهم أن يعترف الطرفان المتنازعان أو المعنيان بوجود حاجة فعلية للتفاوض قبل البدء بأي مفاوضات. ويحدث ذلك عندما يتفق الطرفان على وجود حالة جمود، وأن الوضع القائم لم يعد قابلاً للاستمرار.

تمثل هذه المرحلة الجزء الأول من عملية التفاوض، حيث يقوم الأطراف بتبادل الإجراءات التحضيرية. وتشمل هذه المرحلة بناء العلاقات بين الأطراف المعنية، وبدء الاتصال، وتحديد جدول الأعمال. وغالباً ما تُجرى في هذه المرحلة مناقشات غير رسمية تهدف إلى التعرف بشكل أفضل على وجهات نظر الطرف الآخر واهتماماته ومخاوفه. كما تساعد هذه المناقشات في تحديد نقاط الاتفاق ونقاط الخلاف.

 

والهدف الأساسي من مرحلة ما قبل التفاوض هو تهيئة بيئة مناسبة تجعل المفاوضات الرسمية فعالة. ويُعدّ الاتفاق النووي الإيراني مثالاً واضحاً على مرحلة ما قبل التفاوض، حيث سبقت المفاوضات الرسمية بين إيران ودول (5+1) — الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين، وألمانيا — عدة جولات من المحادثات غير الرسمية والاتصالات عبر القنوات الخلفية. وأسهمت هذه المحادثات في بناء الثقة وتعميق الفهم المتبادل لمواقف الأطراف، الأمر الذي ساعد على إنجاح عملية التفاوض الرسمية.

 

تعمّق في فهم السياسة الخارجية وصناعة القرار الدولي:دبلوم القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية

 

 مرحلة الصيغة (Formula Stage)

تأتي مرحلة الصيغة بعد مرحلة ما قبل التفاوض، وتهدف إلى وضع الفهم الأساسي أو «المبادئ العامة للنتيجة المتوقعة». وتتمثل الخصائص الثلاث الرئيسية لأي صيغة ناجحة في الشمولية، والتوازن، والمرونة. وفي هذه المرحلة، يكون الخصوم في الأساس بصدد «تقييم بعضهم البعض». وغالباً ما يتم تأجيل القضايا التي لا يمكن أو لا ينبغي الاتفاق عليها مسبقاً إلى مرحلة لاحقة تُدار خطوة بخطوة، وهو أسلوب يُعدّ مثالياً في المفاوضات الحساسة لتجنّب الانهيار المبكر.

وتُعدّ هذه المرحلة أبسط المراحل الثلاث، إلا أنه من المهم الإشارة إلى أن توقعات الأطراف بشأن المرحلة التالية (مرحلة التفاصيل) قد تُلمّح أو تتضح خلال مرحلة الصيغة. وقد تعمل هذه المرحلة كإشارة مبكرة مفيدة إذا كانت لدى الأطراف نية خفية لربط قضايا غير مترابطة من أجل فرض «صفقة شاملة» بدلاً من حل القضايا على أساس الجدارة والاستحقاق.

وخلال مرحلة الصيغة، يسعى المفاوضون إلى التوصل إلى توافق حول النقاط الرئيسية وصياغة اتفاق مبدئي. ويتم في هذه المرحلة تحديد العناصر الأساسية للاتفاق، وتعريف الأهداف، وقياس مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة. ويكثر تبادل المقترحات والمقترحات المضادة، حيث يعرض المفاوضون مواقفهم ويقترحون حلولاً وسطية سعياً للتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف. ويتركز الاهتمام الأساسي في هذه المرحلة على إيجاد أرضية مشتركة واستكشاف اتفاقات محتملة تراعي احتياجات ومصالح جميع الأطراف المعنية.

مثال:

ويُعدّ اتفاق باريس للمناخ مثالاً بارزاً يجسد مرحلة الصيغة، إذ كان على الدول المشاركة الاتفاق على صيغة مشتركة لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي. وقد تحقق ذلك عبر عدة جولات من المفاوضات، شملت مناقشات معمقة، ومشاورات، وتبادلاً للمقترحات، وانتهت بصياغة الاتفاق النهائي.

كما تُعدّ مفاوضات أزمة الصواريخ الكوبية مثالاً آخر، حيث اتفقت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على تسوية الأزمة من خلال تعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا وإزالة صواريخها من تركيا، مقابل قيام الاتحاد السوفيتي بتفكيك قواعده الصاروخية في كوبا. وأسهمت هذه الصيغة في الحفاظ على الهدوء وتجنب نشوب صراع نووي شامل.

 مرحلة التفاصيل

في هذه المرحلة يتم التعامل مع التفاصيل الدقيقة والحساسة بشكل مباشر. وتُعدّ هذه المرحلة صعبة ليس فقط بسبب القرارات المعقدة التي يجب اتخاذها، بل لأنها تمثل جوهر عملية المساومة، وهي أهم جوانب الدبلوماسية. ويواجه المفاوضون تحدياً كبيراً في إدارة القضايا الحساسة، ولذلك يتحركون بحذر لتجنب تقديم تنازلات غير مدروسة. كما يتعين الدفاع عن القرارات المتخذة أمام جميع الأطراف المعنية، وإلا فإن التكلفة السياسية أو الاستراتيجية قد تكون باهظة.

وغالباً ما تشوب هذه المرحلة خلافات بين فرق التفاوض الكبيرة، التي قد تضم أشخاصاً من خلفيات مختلفة، سواء داخل الفريق الواحد أو بينه وبين الطرف المقابل. كما تُعدّ هذه المرحلة طويلة زمنياً بسبب التعقيدات الكامنة فيها.

تُعدّ مرحلة التفاصيل المرحلة الأخيرة من التفاوض، حيث يسعى المفاوضون إلى إتمام الصياغة الدقيقة للاتفاق، بما يشمل آليات التنفيذ، والبنود القانونية، والترتيبات الفنية.

وتتميز هذه المرحلة بالمراجعة الشاملة لجميع جوانب الاتفاق، بما في ذلك التفاصيل التقنية والقانونية، وآليات الرقابة والتنفيذ.

ويتمثل الهدف الرئيسي في ضمان وضوح جميع بنود الاتفاق، وسد أي ثغرات محتملة، وصياغة اتفاق شامل وملزم قانونياً يمنع أي سوء فهم أو غموض.

مثال:

وتُعدّ مفاوضات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست) مثالاً واضحاً على مرحلة التفاصيل، حيث خاض المفاوضون بعد التوصل إلى اتفاق الانسحاب مناقشات معمقة شملت قضايا متعددة مثل التجارة، والإجراءات الجمركية، وحقوق الصيد، وأطر الحوكمة. وكان الهدف النهائي هو استكمال القواعد القانونية والتفاصيل التي ستنظم العلاقة المستقبلية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

تعمّق في فهم السياسة الخارجية وصناعة القرار الدولي.

توفّر المراحل الثلاث للتفاوض — مرحلة ما قبل التفاوض، ومرحلة الصيغة، ومرحلة التفاصيل

إطاراً تحليلياً لفهم كيفية انتقال المفاوضات من تبادل الأفكار الأولي إلى توقيع الاتفاق النهائي. وتُعدّ كل مرحلة ضرورية لوضع الأسس، وصياغة المبادئ العامة، واستكمال التفاصيل النهائية للاتفاق المتفاوض عليه. وتجدر الإشارة إلى أن المفاوضات الدبلوماسية قد تُجرى من قبل رؤساء الدول في القمم، أو وزراء الخارجية وكبار المسؤولين الحكوميين، أو من قبل دبلوماسيين خاصين يتم تعيينهم للتوسط أو السعي لتحقيق السلام بين أطراف نزاع أو أزمة معينة.

 

مرجع مهم لكل طالب وباحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية:دبلوم القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية

 

الفاعلون في السياسة الخارجية

يسهم عدد كبير من الفاعلين، سواء كانوا دوليين أو غير دوليين، في تشكيل وتنفيذ السياسة الخارجية للدول، ولكل منهم دور مميز في توجيه العلاقات الدولية.

ويُعدّ كل من الدولة  بما تشمل من مؤسسات حكومية، وقوات مسلحة، وأجهزة استخبارات إضافة إلى الفاعلين من غير الدول مثل الشركات متعددة الجنسيات، والمنظمات الدولية، والمنظمات غير الحكومية، من أبرز الجهات المؤثرة في السياسة الخارجية.

 

 الفاعلون من الدول

1. المؤسسات الحكومية:

تلعب المؤسسات الحكومية، مثل وزارات الخارجية، ووزارات التجارة، وهيئات التخطيط الاقتصادي، دوراً محورياً في صياغة السياسة الخارجية وتنفيذها. وتوفر هذه المؤسسات الخبرة والتوجيه في القضايا المتعلقة بالدبلوماسية، والاقتصاد، والتجارة، بما يدعم تحقيق الأهداف الخارجية للدولة. ووفقاً لرورك وبوير (2017)، تُعدّ المؤسسات الحكومية أساسية في تنسيق الجهود الدبلوماسية، والتفاوض على الاتفاقيات الدولية، والدفاع عن مصالح الدولة في الخارج.

 

2. المؤسسة العسكرية:

تؤدي القوات المسلحة دوراً مهماً في تحديد السياسة الخارجية، لا سيما في قضايا الأمن القومي، وحل النزاعات، والتعاون الدفاعي. ويشير هيل (2019) إلى أن للمؤسسة العسكرية دوراً بارزاً في الدبلوماسية الدفاعية، والعلاقات العسكرية بين الدول، وعمليات حفظ السلام، والمساعدات الإنسانية. وغالباً ما تشكل القدرات العسكرية للدولة موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها مع الدول الأخرى، خاصة في المناطق التي تشهد توترات أمنية مستمرة.

 

3. أجهزة الاستخبارات:

تُعدّ أجهزة الاستخبارات ضرورية لتزويد صناع القرار بالمعلومات والتحليلات اللازمة لدعم قرارات السياسة الخارجية. فهي تقوم بجمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالدول الأخرى، والأحداث الدولية، والتهديدات المحتملة للأمن القومي. وقد أشار فارنهام (2019) إلى أن أجهزة الاستخبارات تسهم في تقييم التهديدات والفرص في العلاقات الدولية، مما يساعد في صياغة السياسات واتخاذ القرارات الاستراتيجية.

الفاعلون من غير الدول

1. الشركات متعددة الجنسيات:

تتمتع الشركات متعددة الجنسيات بنفوذ كبير في السياسة الخارجية نتيجة لقوتها الاقتصادية، وانتشارها العالمي، وتأثيرها في مجالات التجارة والاستثمار. ووفقاً لدنِنغ ولوندان (2008)، تشارك هذه الشركات في الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والدبلوماسية الاقتصادية، وأنشطة الضغط السياسي، مما يمكن أن يؤثر في الاتفاقيات التجارية وخيارات السياسة الخارجية للدول. كما أن عملياتها العابرة للحدود تجعلها فاعلاً مهماً في الجوانب الاقتصادية للعلاقات الدولية.

2. المنظمات الدولية:

تلعب المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، دوراً بارزاً في توجيه السياسة الخارجية والحوكمة العالمية. وقد أكد فايس وثاكور (2019) أن هذه المنظمات توفر منصات للدبلوماسية الدولية، والتعاون التنموي، والإغاثة الإنسانية، كما تسهم في وضع القواعد والمعايير والاتفاقيات الدولية التي تؤثر في قرارات الدول المتعلقة بسياستها الخارجية.

3. المنظمات غير الحكومية:

تؤثر المنظمات غير الحكومية في السياسة الخارجية من خلال أنشطتها الإنسانية، وجهودها في المناصرة، ومشاركتها في القضايا الدولية مثل حقوق الإنسان، وحماية البيئة، والإغاثة الإنسانية. وغالباً ما تشارك هذه المنظمات في شبكات ضغط عالمية، وتحشد الرأي العام، وتؤثر في سلوك الدول، كما أشار كيك وسيكينك (1998). ويمكن لأنشطتها في مجالات حقوق الإنسان، والمساعدات التنموية، وحل النزاعات أن يكون لها أثر عميق في السياسة الخارجية.

للحصول على مزيد من الفائدة تواصل مع فريقنا الدعم بالعربية من خلال الدردشة المباشرة عبر واتساب بالضغط هنا

انتظرنا في المقال القادم